روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
133
مشرب الأرواح
الأزلية والأبدية ، فيشتغل بمراعاة النفس ساعة فيقع في الساعة في محل العتاب ، فكل شيء يعرض لقلوب العاشقين من دون اللّه وإن كان من الطريق فهو عارض ، ويسمى السحاب العارض ، لأنها تستر السماء وتعرض لأبصار الناظرين إليها . قال تعالى : عارِضٌ مُمْطِرُنا [ الأحقاف : 24 ] ، قال عليه السلام : « إنه ليغان على قلبي » « 1 » قال السراج رحمة اللّه عليه : العارض ما يعرض للقلوب والأسرار من إلقاء العدو والنفس والهوى لأن اللّه تعالى لم يجعل لهذه الأعداء طريقا إلى قلوب أوليائه إلا بالعارض ، قال العارف قدّس اللّه روحه : عارض العاشق احتجاب المعشوق عنه به . الفصل الحادي عشر : في السكر إذا صفا العاشق عن غبار الحدثان والامتحان وشاهد مقام الدنو وعاين الحق بعين المعرفة وتتابع على قلبه واردات الوجود بنعت فيض مزيد كشوف الصفات والذات تعالى عن التشبيه وبدهته قوة الواردات عن تصرف العبودية في محل القرب ويصير كشف الجمال أعظم من قواعد حاله فيسكر بالحق ويكون سكران الوصال بإدراك الإدراك فكلما ازداد له شرب ازداد له سكر حتى تسرمد وقته واستقام في شكره بنعت التمكين ، قال تعالى في وصف سكر كليمه عليه السلام : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً [ الأعراف : 143 ] ، غيبته كان من كمال سكره أوله الانبساط الذي يغريه إلى سؤال الرؤية وآخره الصحو الذي يقتضي حكم الأدب وذلك قوله : تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ [ الأعراف : 143 ] ، وأوسطه سكر الذي يسقط عنه إحظار الأشياء مع أحكام الإجلال وما بقي للإحساس مساغ ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلّم دار في الوجد في مسجد قبا حين سمع قول القائل : قد لسعت حية الهوى كبدي * فلا طبيب لها ولا راق فعلمنا من ذلك أن السكر لا يكون إلا لأصحاب المواجيد الذين كاشف اللّه سبحانه وتعالى أنوار جماله التي أورثت لهم الفرح والطرب والسكر والغيبة والهيمان والهيجان ، قال شخينا وسيدنا أبو عبد اللّه بن خفيف قدس اللّه روحه العزيز : السكر غليان القلب عند معارضات ذكر المحبوب ، وقال أسد الصوفية حسين بن منصور قدس اللّه روحه : السكران ينطق بكل مكتوم ، وقال بعضهم : إذا طمس عن سر العبد آثار الأشياء لا يسكره ورود الوارد من الصفاء والضياء ولكن إذا صادمته المشاهدة والمباسطة أسكرته بإشراقها عن كل وارد من الموارد ومن أسكرته النعوت حجب عن
--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .